الجزء الثاني والاخير من قصة امرأة عراقية فاضلة مع الحجاب ومع تحديات الحياة كما سردها نجلها الدكتور محمد خليل العبيدي

اشكر الدكتور محمد على مشاركتنا بهذه السيرة الجميلة مع عتبي عليه لتركه بعض الفجوات الزمنية في السرد لاسباب لم يفصح عنها

واذكر القراء الكرام بصفحة الفيسبوك للدكتورة واجدة الاطرقجي وفيها صور تعبق بذكريات ايام الخير في العراق عمرها يزيد على الستين عاما

http://www.facebook.com/wajidaalatrakchi

———————————————————————————————————————————————

عندما سمع الناس، بخبر تخرج واجدة من الثانوية، بتفوق، و عزمها على إكمال دراستها الجامعية، لم يؤد ذلك إلى إستغراب، أو تعجب، بين معارف العائلة في الحلة

فها هي واجدة تفعل، كما فعل إخوانها من قبلها

مظفر، ترك عمله كمعلم إبتدائية، في قرية الدولاب، و يوشك على التخرج من الكلية العسكرية، التي فضلها على كلية الطب، رغم معدله العالي

فسنين الطب طويلة، و مكلفة

لن يستطع حاج مجيد دعمه المالي، لحين إكمال الطب

و لا يوجد في الكلية الطبية، قسم داخلي

و لن يقبض راتبا، أثناء الدراسة

كما سيفعل، إن دخل الكلية العسكرية

و صابر، الأخ الأكبر، كان يَدْرُسُ العربية، في الصف الثالث من دار المعلمين العالية (و التي تسمى إختصارا: العالية)

حيث كان يحصل على سكن، و غسل ملابس مجاني

إضافة إلى أجور السفر، و أربع قوالب صابون شهريا

و عندما إستعرضت واجدة، خيارات الدراسة الجامعية، لم تترد لحظة، عن الإعلان للجميع، عن ولعها بالأدب العربي، و رغبتها بدراسته

لا شك أن لصابر، ضلعا مهما، في ذلك القرار

خلال السنين السابقة، كانت واجدة، تترقب قدوم أخيها لزيارتهم في الحلة، أثناء العطل، بفارغ الصبر

كان يأتي، محملا بساعات عديدة من الحديث المشوق، عما يشهده في العالية، و ما يدور مع بعض زملاء صفه حينها، أمثال لميعة عباس عمارة، و شاذل طاقة

و آخرين كبدر شاكر السياب في الصف الرابع

والهيئة التدريسية، أمثال الشاعرة نازك الملائكة، و العلامة مصطفى جواد

إبتدأت واجدة دراستها الجامعية، و قد تبدو للناظر، كأي بنت عراقية نحيفة و خجولة، لا حول لها و لا قوة

و بعد قضاء السنوات الدراسية الأربعة، في قسم اللغة العربية، في دار المعلمين العالية، تخرجت واجدة، إمرأة يانعة بلا تكبر، لها شخصية قوية بلا خشونة، و نفس واثقة بلا غرور

كانت أغلب طالبات دار المعلمين العالية، و منهم واجدة و بدرية، يأتين مرتديات العباءة

و لكن، ما إن يدخلوا الحرم الجامعي، حتى ينزعن عباءاتهن عدا ٣ بنات، قرويات الأصل، يبقين بالعباءة

و هكذا، لم ترافق بدرية واجدة خلال سنين المتوسطة و الإعدادية حسب، بل رافقتها خلال الدراسة الجامعية أيضا

رافقتها خلال معيشتهما في غرفتهما في القسم الداخلي، وخلال ساعات مذاكرتهما، و مراجعة الإمتحانات، و خلال رحلاتهما الشهرية، بين بغداد و الحلة

و كم كان حاج مجيد، و زوجته، أمينة مطمئنين على واجدة، ما دامت برفقة بدرية

و كذلك، كان أهل بدرية، مطمئنين على بنتهم، ما دامت مع واجدة

بدرية إسكندر، البنت الخجولة، الدافئة، دائمة الإبتسام

قد يخدعك منظرها، لكنها كانت الصخرة، التي تستند عليها واجدة، وقت الصعاب

لن يرهب، تلك البنت، الناعمة المقام، أمرا

عدا، شيء واحد

الرجال

عندما يقف زملاء واجدة وبدرية، للتكلم معهم، في فناء الكلية

تحل المصيبة

حينها، ستقبض بدرية، على يد واجدة بقوة، و تستمر بعصرها، رافضة التخلي عنها، مهما كلف الأمر، كأن حياتها مرتهنة بتلك اليد، تستمد العون منها

و لن تعتق يدها حتى يصبحا على بعد آمن عن هؤلاء الرجال

كان يوما رتيبا، و إعتياديا، في ربيع ١٩٥٢، كأي يوم آخر

كانت واجدة، و بدرية، و جميع الزملاء و الزميلات، يتهيؤون للإمتحانات النهائية

ها هم سينهون دراستهم، في دار المعلمين العالية، في حزيران

كانت واجدة و بدرية واقفتان في ساحة الكلية

و الإبتسامة تعلو وجه واجدة، و هي تنصت بإهتمام، إلى خبر آخر، من أخبار بدرية الطريفة

خرج أبو قاسم، من بناية إدارة قسم اللغة العربة، و توجه حثيثا، صوب واجدة و بدرية

أبو قاسم، يعمل كفراش (بواب) لمدير القسم، الأستاذ الدكتور سليم النعيمي

رأته بدرية يأتي، بطرف عينها

لوهلة، حسبت أنه، لا يقصدهم

و بعد أن إقترب أكثر، أصبح من الواضح لها، أنهما المقصودات

توقفت بدرية عن الكلام، و إلتفتت تجاه أبي قاسم، وهو يمشي خطواته الأخيرة، نحوهم

و هنا، إلتفتت واجدة، لترى ما هو الخطب العظيم، الذي أوقف بدرية عن الكلام

فتوقف أبو قاسم عند واجدة، ثم قال: واجدة!

أجابت، و الإبتسامة لا تزال مرتسمة على الوجه

نعم، عمي أبو قاسم

قال: دكتور سليم النعيمي يريد التكلم معك في مكتبه

فورا!

و هنا، تكسرت الإبتسامة على وجهها

إبتدأت واجدة بالتفكير حثيثا، علها قد خالفت نظاما، أو إرتكبت إثما، تلام عليه

أدخلها أبو قاسم إلى غرفة مدير القسم، الذي شرع بتوبيخها على الفور، قائلا

ما تلك الضوضاء الصادرة من الطلاب؟ هل كنتِ أحدهم؟

أجابته واجدة بذهول، مخلوط بشيء من الخوف

أية ضوضاء؟ كلا دكتور، لم أشارك بأية ضوضاء

فقال الأستاذ سليم النعيمي

حسنا إبنتي، هذا كل ما في الأمر، إحرصي على نفسك، يمكنك الذهاب الآن

كانت هذه المقابلة لغزا محيرا، و تصرف دكتور سليم النعيمي غريب، و غير مفهوم

أثناء خروج واجدة من الغرفة، لاحظت أن هناك رجل، جالس في مكتب المدير، يراقب ما يحدث

لم ينطق ذلك الرجل، بأية كلمة

الرجل هذا، هو خليل جلو

أبي

وقتها، كان خليل، مديرا للشؤون الفنية في وزارة المعارف

و بحكم عمله، يعرف الدكتور سليم النعيمي، شخصيا

عندما عرف سليم النعيمي، أن خليل يعتزم الزواج، و يبحث عن بنت الحلال، خطرت واجدة على باله، في الحال

واجدة، تلميذته النجيبة، الخلوقة، الجميلة

و هكذا، تم رسم خطة المكيدة بينه و بين خليل، كي يريه واجدة

عندما سافر المشاية من بغداد، ليخطبوا واجدة من حاج مجيد، كان الدكتور سليم النعيمي، أحدهم

و هكذا تمت تم خطوبة (و قطع مهر) واجدة على خليل

و لكونهما يعتزمان السكن في الأعظمية بعد الزواج، كان من الطبيعي أنها ستطلب التعيين، في مدرسة قريبة

و بالفعل، كان أول تعيين لها، هو مُدَرِسة للغة العربية، في ثانوية الحريري للبنات

عام ١٩٥٢، و بعد ٣ أشهر فقط من تخرجها، تزوجت واجدة

وهي، كأغلب نساء بغداد، ترتدي العباءة

وقتها، بدأت بعض نساء العراق، وخصوصا بغداد و البصرة، بالتخلي عن العباءة، بالتدريج

كان يقال عن المرأة التي تتخلي عن العباءة، أنها، ذَبَّتْ العباية، أي رمتها

و صباح أول يوم، كإمرأة متزوجة، همت واجدة بالخروج، للإلتحاق بدوامها، في ثانوية الحريري

و لكنها، لم تستطع العثور على عباءتها

و حينما سألت زوجها، إن كان يعرف مكانها، رد بالإيجاب، و أنه قد أخفاها بنفسه

و أضاف

منذ اليوم، عليك الخروج بدون عباءة

إن عاتبكِ أحد، يمكنك إرساله للتحدث معي

أزاح ذلك عبئا كبيرا عن كاهل واجدة

فهي تعرف أن يوما ما، عاجلا أم آجلا، ستترك العباءة

خليل، كان يعرف ذلك، و يؤيده

و لو أن لخليل ٣ أخوات و أم، يلبسن العباءة جميعا، وقتها

فإن إحتاجت واجدة إلى الإسناد المعنوي، و الجرأة، و بعض العزم، فها هو زوجها يمد لها يد العون فيما تحتاجه

و هكذا، إنتهت أيام العباءة في حياة واجدة

و خلال السنين التالية، و بالتدريج، تصاعدت سرعة، ذب العباية، في بغداد، بإطراد

و بلغت ذروتها، في منتصف الستينات، في بغداد، و بداية السبعينات، في الألوية، خارج بغداد

و في كثير من الأحيان، كانت واجدة تأتي بعد العمل، لتخبر زوجها، أن فلانة، ذبت العباية

تقولها، كبشارة

يسعد واجدة سردها، و يستحسن خليل سماعها

أما العكس، فلم يحصل أبدا

لم يسمع أحد، أن إمرأة، كانت قد تركت العباءة يوما، وعادت إليها بعد ذلك

إن حصل ذلك، قد تجد فيه بعض الإضطرار، أو الإكراه

و فعلا، في نهاية الستينات، إختفت العباءة عند المثقفات في بغداد، تقريبا، عدا القليل

ثم

جاءت الثمانينات

و بدأ الجزر بالإنعكاس، وحصل المد

قد يعتبر البعض، أنه في الحقيقة، العكس هو الذي حدث، حسب وجهة نظر الشخص

فيعتبر، أن المد توقف، و جاء الجزر

وانقلبت الامور مرة اخرى ليصبح الحجاب  عنوانا وهميا لاخلاق المرأة و فرضا ارتضته معظم النساء ربما عن اقتناع وربما خوفا من السباحة ضد التيار الجارف

لكن ليس واجدة

لم ترب واجدة أولادها الثلاثة، و بنتها فقط، بل ربت مئات، بل و الألوف، من اولاد و بنات العراق، و ليبيا، خلال عامين في جامعة درنة، وحتى المغرب، خلال السبع سنوات في مدينة فاس العريقة

مدينة فاس، حيث تجد جامعة القرويين، أول جامعة في العالم

و التي تم تأسيسها، عندما كان العرب المسلمون، منارا للحضارة

تعاقبت الايام لتصل بواجدة في التسعينيات الى العيش في مانجستر في انكلترا

لتكون شاهدة على موقف يشرح ما قصدته من هذه السيرة الذاتية

يعرف أهل مانجستر، أن الأيام التي تشرق الشمس فيها، حتى صيفا، هي بندرة أيام سقوط الثلوج، في الحجاز

قبل فترة قصيرة، و خلال يوم صيف بديع في مانجستر، أشرقت الشمس

فخرجت واجدة للتمشي في منطقة روشولم، المشهورة بمطاعمها، و مقاهيها الشرقية

يومها، عجت الشوارع بأهل مانجستر، الذين خرجوا للتمتع بتلك الظاهرة النادرة، ظاهرة شروق الشمس

ستجد الكثير من البنات، و النساء، مرتديات لملابس تكشف من جسدهم، أكثر مما تستر

على الرغم من ذلك، لم تجد واجدة، رجالا، يبحلقون بهن، أو يفترسوهن بعيونهم

الكل ماش بطريقه، كأن شيئا لا يعنيه

إلى أن صادفت ذلك الملتحي، أبو عيون جريئة

كان الرجل جالسا خارج مقهى، و بجنبه إمرأة ترتدي النقاب، تبدو زوجته، و بنت محجبة، قد يكون عمرها حوالي السبع سنوات، تبدو بنته

كان أبو يرتدي طاقية (عرقجين)، و يمسك بسبحة، يسبح بها بنشاط، و أرجيلة، يشفط منها بنهم

المصيبة، أن عيون ذلك الرجل، كانت تتفحص، و تتابع كل بنت تمر أمامه، كالرادار

كان منتصبا في كرسيه بإهتمام، يسحب نفسا عميقا من أرجيلته، بين وهلة و أخرى

و أثناء زفيره للدخان، يقول: أستغفر الله

ثم يهز رأسه، مستنكرا

يقول ذلك، و هو لا يستطيع غض النظر عن البنات

و لم تستطع المسكينة زوجته، لفت نظره، إليها، و لو للحظة واحدة

فتذكرت واجدة، ذلك البرنامج الوثائقي عن المجتمع الإنجليزي بداية القرن العشرين، و فيه عدد من من لقطات أفلام الشارع و الحياة بالأسود و الأبيض، إلتقط في إنجلترا قبل أكثر من ٩٠ عاما

كان فيها مشهد، يُصَوَّر فيه ثلاثة رجال إنجليز، ينتظرون الأوتوبيس، و هم يتبادلون الحديث

و عند قدوم شابتين، ترتديان فستانا طويلا، يتوقف الرجال عن دردشتهم فجأة، و ينهمكوا بالبحلقة، على كاحل البنتين، بإهتمام شديد

حتى أن أحدهم، تمشى الهوينى، ويداه في جيوبه، فإلتف حول البنتين، عله يرى منظرا أوضح، من جهتهم الثانية

ويمكنك أن ترى، و بوضوح، أن تلك النساء، لم يظهروا أكثر من خمس سنتمترات من جلدهم، فوق الحذاء

الرجل العفيف سيبقى عفيفا مهما كشفت النساء

الرجل الفاسق، سيبقى فاسقا، مهما غطت النساء

المشكلة، هي في الرجال، و ليس النساء

في المجتمع المتخلف، عندما يهجم رجل فاسد على إمرأة، أو حتى يرمقها بنظرات قذرة، لا يلام ذلك الرجل المنحرف، بقدر لوم الضحية

نعم، تعاقب الضحية، تلك الإمرأة المسكينة، التي هاجمها ذلك الفاسق

إن سألته، سيعطيك حجته، بأنها أرته شيئا، من جسدها

قد يكون ذلك الشيء طفيفا، بالنسبة لي، أو لك

و لكنه، عظيم، و شديد الإغراء، بالنسبة له

كوجهها أو شعرها

و حجة الفاسق، دائما، أنه لم يستطع مقاومة غريزته الحيوانية

 سواء كان يعيش في الحلة …….او في مانجستر

مع التحيات

محمد ……ابن واجدة