رغم اني لا اريد ان احيد الانظارعن هبة المواطنين الذين طفح بهم الكيل والحر والمرارة فبدأوا تظاهراتهم المباركة على سوء الكهرباء والخدمات وعلى  الفساد والدمار الذي يعشعش في العراق بسبب سياسيي المحاصصة العاهرية ، لكني اليوم اريد ان اخاطب ذكرى يوم 2 آب الاسود يوم غزو الكويت ، الذكرى التي حكمت ان اكتب شيئا كي لا ننسى اصل البلاء فيما يحل بنا كل صباح وكل مساء

فنحن اليوم “نحتفل” باليوبيل الفضي لتلك النزوة الفائقة الغباء الذي قام بها القائد المشنوق في لحظة تخيل فيها انه اصبح ربنا الاعلى و انه يقول للشيء كن فيكن لمجرد انه انتصرعلى ايران عندما قرر الغرب ان يدعمه لانهاء حرب الثمان سنوات بعد ان حققت كل ما ارادوه منها في ابتلاع الاخضر واليابس
اذكر سماعي لخبرالغزو في صبيحة ذلك اليوم المشؤوم ، القوات العراقية تدخل الكويت تلبية لنداء الثوار في الكويت الذين صاحوا ” واه مغفلاه” فلبى المغفل النداء ! اقسم انه حتى المنظف الذي يعمل في قسمي في المستشفى والذي لم ينجح حتى في محو الامية لم يصدق ان هناك نداء ولا بطيخ … اما انا فكان اول تعليق خطر بعقلي : لك ما تبت ؟ لك ما اتعظت ؟
طبعا لم يصل ذلك التعليق الذهني الى عضلة لساني وانا كغيري محاط في مكان عملي بمجموعة من رفاق السوء والوشاية بالآخرين ، لذا امضيت بقية النهار صامتا وانا اتمعن في كم المصائب التي ستحل بنا بسبب الغزو والتي لم اتصور حتى في اسوأ الكوابيس انها ستصل الى ما وصلت اليه …بل ان بعض تلك المخاوف هدأت فيما بعد بعض الشيء عندما صدقت بسذاجة ما اعلنه الناطق العسكري ان الجيش العراقي سينسحب بعد ايام ، فالمنطق والمخ وابسط مستويات الادراك كان يحتم ان ننسحب باسرع وقت ، و فعلا انسحب الجيش من الكويت ….لكن بعد سبعة اشهر ، انسحب بالجلاليق بدلا من ان ينسحب طوعا وبهيبته ، انسحب مسحوقا مدمرا ذليلا بسبب جنون قائده المدقع الذي كان قد قال للجيش بكل صفاقة: حتى لو تسمعوني بالراديو اقول انسحبوا فلا تصدقوا.. فانه شخص اخر…. و من المؤكد ان الذي امر بالانسحاب شخص اخر ….شخص افاق بعض الشيء من اوهام العظمة والهذيان التي عاش فيها سنين طويلة…لكنه لم يفق ابدا من العنجهية الفارغة وهو يعتبر ان العراق الذي مسحو به الارض قد انتصر… ويا محلى القصف بعون الله !
لا زلت احيانا اتساءل مع نفسي ،هل يعقل ان يكون كل ما حدث في ذلك الزمن حقيقة ؟ ايمكن ان تصل البلاهة بقائد سياسي الى تلك الدرجة وهو يرى ان العالم كله ضده ومع ذلك يبقى على انكاره وخيالاته المريضة وعزته بالاثم فيتمسك بعناده الاحمق وكأنه صاحب اليد العليا في الامر، رغم انه لم يجد ما يطمئن به الشعب المسكين الذي كان يراقب الغيوم السوداء المنذرة بالويل وهي تتجمع في الافق سوى ان يقول لهم :لا تأبهو لجيوش 30 دولة ولا لآلة الحرب الجبارة … لسبب بسيط .
وماهو: سيدي ؟
السبب ان “الويلاد” سيطلعون لهذه الجيوش ويسحقونها
بارك الله بيك سيدي ….غير تكول من الاول !
من يتذكر هذاءاته في المقابلات التلفازية التي اجرتها معه وكالات الانباء العالمية قبل بدء الحرب ، ففي كل مقابلة كان يقول : طبعا سننتصر لان الله معنا ..اذ كيف يمكن ان يهزم من كان الله معه !!!!
لك ابن الناقصة… من اين اتيت بوهم ان الله معك ؟ وعلى اي اساس يكون الله مع طاغية يريد ان ينتزع ما هو للآخرين ويضمها لممتلكاته بأسخف الذرائع ؟ هل هذا هو الله في نظرك ؟ ناصر الحرامية والشقاوات والسفلة؟
كان العالم ينبهه مرارا وتكرارا الى ما سيحل بالعراق ،و حضرته يرد باجراءات لا يعقلها حتى المخبولون ، قام بتعيين محافظ للكويت ، وقام بارسال المئات من الجداريات التي تحمل سحنته هدية لاهل الكويت كي يتباركوا بها (وليس لكي يبصقوا عليها لا سامح الله) عند مرورهم في كل شارع من شوارعهم … بدأت العقوبات … واختفى الرز والطحين والزيت والصابون من الاسواق ، وتخرج علينا تصريحات بالصبر والصمود لانعرف هل نضحك ام نبكي عليها ؟ اذكر منها رسالة السيدة الأولى (!) ام عدي الى ماجدات العراق تنصحهم فيها بأن لايضعن قطع لحم في المرق لان اللحم يسبب السرطان ، باعتبار زوجها صار نباتي وبطل ياكل هبيط !
عندما جمدوا ارصدتنا وارصدة الكويت في البنوك الاجنبية خرج في التلفاز احد وزراء البعث ليهدد العالم بان العراق يحتفظ بحقه بكل تلك الاموال بل وبفوائدها ايضا ! عمي احتفظ ، وبدربك احتفظ ايضا بحقك في ان تشتري بعقلك حلاوة ..كان العالم يضحك علينا والمعركة لم تبدأ بعد
بدأت الدول ترسل وفودا في محاولة لاقناعه بفداحة ما سيحل به ، وهو يتوهم ان العالم خائف يتوسل به ان يرحمهم ويجنبهم المواجهة ، لم يفقه ان الدول الكبرى كانت تراهن على غبائه و صفاقته …وبعد ان تم السماح للغربيين المحتجزين في العراق بالعودة الى بلدانهم لم يبقى في ذهن تلك الدول اي عائق لضربه خاصة عندما اثبتوا للعالم انهم حذروه مرارا وتكرارا من مغبة المواجهة ، فماذا كان يرد صاحبنا على تحذيراتهم ؟ يقول لهم : على اسرائيل ان تنسحب من الاراضي المحتلة اولا … وكانت الاجابة التي تأتيه دوما ولم يفقهها هي : انت لم تدخل الكويت لتحرر فلسطين ! فلا تخلط الاوراق …. لكن على من تقرأ مزاميرك يا داود ؟ تصوروا انه صرح امام احد ممثلي وكالات الانباء العالمية ان المواجهة القادمة مع جيوش 30 دولة ستؤدي الى تحرير فلسطين !!!! شلون ؟ ما اعرف ! بأي تسلسل احداث ؟ حتى ربك ما يعرف شلون هذي رح تصير ! بس الريس كال ، ولو كال الريس …الريس لو كال …كما تقول الاغنية!
ومما زاد في ثقته الفارغة انه عقد اتفاقا مع ايران تصور انه سينهي 8 سنوات من الحرب معها ويحيدها ليتفرغ لامريكا ، وكلنا نعرف كيف انتقمت منه ايران على تجريعها كأس السم .
وبدأت المعركة …وخلال ايام اصبح العراق بلا كهرباء وبلا ماء وبلا بنزين … وحضرته يخرج علينا ليقول انه لم يستخدم بعد قوته الجوية رغم ان طائراتنا كانت تتحول الى كتلة لهيب حالما يتم تشغيلها او بعد تحليقها بقليل ، فتوصل العبقري الى الفكرة الجهنمية بأن يهربها الى ايران حيث ستكون بأمان ! ليعطينا دليلا آخر على ذكائه الخارق الحارق !
وعندما وجد ان القصف سيأتي على عرشه قام بمبادرة وصفها بانه القى بها الكرة في ملعب الخصم : تريدون انسحب ؟ افكر بالموضوع ،بس خلي اسرائيل تنسحب اولا من فلسطين!!! لك من كل عقلك ؟؟ الم تطرح هذه المبادرة من قبل فرفضوها فكيف تريد ان يقبلوها وانت مهزوم وتاكل كفخات للصبح ولا تستطيع ان ترد ؟ انه فقدان لابسط انواع الادراك والبصر والبصيرة (اذا كانت موجودة اصلا)
وعندما وجد ان النهاية قد اقتربت امر الجيش ان ينسحب بلا مطالبات بأي مقابل سوى النجاة بمؤخرته، او الاصح ان امر جيشه ان يحاول الانسحاب ، فسحقوه في المطلاع في معبر الموت وعاد من كان محظوظا جدا مشيا على الاقدام ، وفقدت الاف العوائل ابناءها بلا ذنب بل وفقد العراق كرامته تماما، فثارت ثائرة الناس ونزلوا الى الشارع هاتفين بسقوط الطاغية الاهوج، وكان يمكن ان ينهار النظام خلال ايام لولا ان تحولت الانتفاضة الى حركة طائفية ارعبت دول الجوار (عدا واحدة طبعا) فطالبت امريكا بتعديل الخطة والاكتفاء بتخريب العراق اقتصاديا واجتماعيا واخلاقيا لكن تحت راية الله اكبر الذي كتبها الافندي على العلم العراقي لخداع المغفلين … ثم الانتظار بضعة سنوات اخرى قبل ان يتم اتمام تخريبه بالكامل تحت ظل نفس راية الله اكبر ….بس بلا نجوم!

آه يا ذكريات الالم والدمار التى ما فارقتنا يوما واحدا ونحن نرى عهد الرفاق الاسود يتبدل الى عهد اللحى والسبح المزفت عهد المحاصصة النتنة و الفساد ، فهل هناك من امل لهذا البلد المفجوع ؟
ربما … اذا نسى الناس الطائفة والعشيرة والقومية لبضعة اسابيع وفكروا فقط بالانتماء الى الوطن
وعسى ان لايعود المتظاهرون لبيوتهم بمجرد ان تقوم الحكومة المخروعة باقالة وزير الكهرباء قاسم كيزر كترضية للشعب.. فأن ارادوا الخلاص فعليهم ان يستمروا لحين اسقاط كل الاصنام الجديدة بايديهم ، فلن يأتي احد لاسقاطها لهم هذه المرة