العرب عموما يحبون الغناء والطرب.. وقد يكون الغناء الحالة الوحيدة التي تجمع الساكنين من المحيط الى الخليج بعد ان فشلت اللغة والدين والتاريخ المشترك في جمعهم والبرهنة على انهم شعب واحد كما تخيل منظروا الوحدة العربية…. بل ان الوقائع اثبتت ان اية مشكلة تقع بين دولتين عربيتين تتعاظم و تتفاقم اضعاف ماقد يحصل بين البلدان الاخرى التي لا ترتبط بكل هذه الروابط ….احم…. الاخوية !!!!؟
فبعد مباراة كرة قدم بين مصر والجزائر تسارعت الاحداث والخطابات النارية وظهرت حقيقة مشاعر ابناء البلدين تجاه خرافة الاشقاء العرب ، واحترقت في ثوان الشعارات الزائفة التي صدقها الكثيرون سنوات طويلة ، وانتهت كل مصطلحات الفكر القومي امام مفردات الفراعنة والامازيغ
لكن الموضوع مختلف في الغناء…..صحيح ان الغالبية تستمتع اكثر باغاني بلادها ، لكن الذوق الطربي لايعترف كثيرا بالجنسيات او الحدود…. وليس غريبا ان يكون لكل مطربة او مطرب عربي مرموق جمهور من جميع انحاء الوطن العربي………حتى اصبحنا نجد في الوقت الحاضر عشرات الاغاني العربية مؤلفة في بلد ويتم تلحينها في بلد ثان لتغنى من قبل مطرب من بلد ثالث
وكلمات الاغاني العربية اينما كان منشؤها يجمعها الكثير من المشتركات ….التشكي من ظلم الحبيب…. واللوعة والفراق….والنسيان والحرمان … ، والليل والسهر….والعواذل والاهل الظالمين … والدموع والاهات (وانا والعذاب وهواك) ….ولاننسى المفردة الاعم والاهم وهي ارسال السلام الى الحبيب البعيد اما بواسطة البشر المسافر او بواسطة الطيور بانواعها او مع النسائم والهوا الشمالي او ريح الخماسين ،بل و حتى مع اعصار كاترينة لو لزم الامر
ولكم ان تتصوروا لو حذفنا هذه المفردات او منعنا استخدامها في الاغاني العربية… ماذا سيحدث ؟من المؤكد ان معظم كتاب الاغاني سيصابون بالعطب ويحتارون كيف يؤلفون اغنية عاطفية
والمتفق عليه ان كلمات الاغاني الفولكلورية هي تعبيرعن نفسية ومعاناة الشعوب…..ولاننا اناس عانينا لسنين طويلة من الظلم والقهر والخضوع للحكام المتسلطين ،فلا عجب ان تظهر مواصفات هذه النفسية المنكسرة في الكثير من اغانينا خاصة التراثية منها….وان يتم اسقاط التوسل بالسلطان وباجهزته القمعية الى توسل بالحبيب القاسي المتجبر ، وان تتحول دموع الاذلال والعذاب الذي يسلطه الحاكم او ولي الامر علينا الى بكائيات هجر وفراق وعذاب بسبب ظلم هذا الحبيب الذي قلبه صخر جلمود……فهو الحاكم على قلب المحب الولهان
والمطربون الواقعون في الغرام لايتوانون عن الغناء لساعات في سبيل اقناعنا بمدى عشقهم للحبيب وتعلقهم به مهما مارس من سادية وتعذيب (باحبه مهما اشوف منو ومهما الناس قالت عنو)…..هذا التعلق الذي يصل الى تلذذ بالعذاب ومازوكية تتجلى في كلمات مثل ( عذابو راحة…وانا بصراحة…قلبي بعذابو كتير فرحان)….او (عذبني اكثر وانا احبك اكثر ) ….والله يديم الهبل ….وبعدها هل يحق لنا ان نتساءل لماذا يبقى حكامنا جاثمين على صدورنا مدى الحياة ؟ لكن هذا موضوع اخر
ومن اصناف الاغاني التي يتحفنا بها مطربونا نوع له شعبية كبيرة يسمى اغاني اللزكة….يعني اصرار المحب ان يلطش قرب الحبيب ويرفض ان يتزحزح مهما حاول ذاك المسكين ان يبعده او يفهمه انه لا يريده…..( تطلع للسما اطلعلك… تنزل للارض انزلك ) و(انساك؟ ده كلام؟ ) و( لو شجوا ايدي بليف مكدر اعوفك)….ومع ذكر اللزكة نتذكر مرة اخرى وبكل حب حكامنا السوبرغلو وبعضهم قد اكمل 50 عاما من الجلوس على الكرسي …يونس كافي تطلع عن الموضوع
لكن الحالة الاكثر اثارة للجدل في اغانينا العربي هي وباء الكسل المستشري بين المغنين الذين يصفون عشقهم وحبهم واستعدادهم ان يقلبوا عاليها سافلها في سبيل نظرة عطف من المحبوب ، لكنهم في نفس الوقت يستخسرون ان يهزوا اطوالهم ويزوروا الحبيب ….بل يطلبون منه ان ياتي هو اليهم ، لذلك لا تخلو اغنية من مفردات تعالى وتعالي وتعالو وارجعلي وارجعيلي ….ونادرا ما يقول احدهم راح اجيلك (خطية كلهم سوفان في الفقرات او التهاب الحرقفة )……..اذكر ان مغني العتابة المرحوم جبارعكار وهو البدوي الذي لاينام على ضيم (او هذا ما تصورناه ) يكتفى بالدعاء على من فرق بينه وبين حبيبه بان يقول (ريت الحرمني عشيري….تكرصة حية…ااااااوووووووووووو )…يعني الخلاصة لايريد ان ينهض من كرسيه بالضبط مثل…………يونس تالي وياك؟
وتتجلى حالة الكسل المستشري اكثر بقيام الكثير من مطربينا بتكليف الرايح والجاي كي يقضوا بالنيابة عنهم مشاوير ومتطلبات والتزامات العشق لان حضراتهم مشغولون شوية ….فعليش التعب وصرف الطاقة اذا كان الاخرون مستعدين ان يتولوها بالنيابة عنهم وبكل طيبة خاطر
كم مطرب لايتجاوز مايصرفه من مجهود في سبيل الغرام ان يطلب من كل من يصادفه بان يسلم له على الحبايب بدلا الذهاب والقاء السلام بنفسه وما يتبع ذلك من صرف سعرات حرارية يمكن استثمارها فيما هو اهم (كالنوم مثلا”)….وكم واحد يتباهي بما سيقدمه للحبيب المحظوظ من هدايا ثمينة او يخبصنا بانه سيزرع له بستان ورود وسيعمل له من النجوم كلايد …لكنه وتوفيرا” لاجرة التاكسيات فانه يفوض من يمر من امامه بجلبها او اختيارها …منذ عهد المرحوم محمد قنديل واغنيته الخالدة (يارايحين الغورية هاتو لحبيبي هدية )…. والذي كان محظوظا” لأن الرايحين للغورية كانوا طيبي القلب لذا لم يقل له احد منهم (وانتة شبيك…… شلل؟)
والدكتور فاضل عواد سواها ماساة لان حبيبته اشتهت شوية تفاح ….فاصابته الحيرة و طفق يشكي (تريد مني التفاح…امنين اجيب التفاح ؟) وخلاها علينا ظلمة …هم زين مارايدة منك كيوي لو منجة… اكيد جان اشتكيت عليها يم عمرو موسى…..والمضحك ان الهام المدفعي يردد هذه الايام نفس الاغنية رغم انه ساكن في بيروت (اللي بيها منطقة كاملة اسمها اقليم التفاح….. لعد شكد مطفي)…
ولو ناقشنا مسالة تقديم الهدايا للحبيب وهي ظاهرة حضارية نجد ان الهدايا متباينة القيمة ….فالعظيم ناظم الغزالي كان حائرا بين اساور او دملجا من نظار ام عقيقا ام خمورا ( وهاي الاخيرة شوية واكفة…. يعني شتريد…تدز للحبيبة صندوك عرق عصرية ؟) بينما نرى القيصر كاظم الساهر قد حسم امره لذا طلب من صايغين الذهب ان يختاروا خاتم حلو يستاهل اصبع الحبيبة…. اما الرائعة فيروز فقد تبين للاسف انها مو كلش خواردة ، فهي تطلب من مرسال المراسيل بان (ياخذ بدربو هالمنديل ويعطيه لحبيبها ) …عيني ام زياد …..صحيح شوية اكو تراجع بالاقتصاد العالمي…. بس يعني ما لكيتي غير منديل ؟ شنو الاخ ماخذ برد ومزكوم ؟ هم زين ما دزتلة كلينكساية ….
ومفردة اخرى شائعة في الاغاني هي السفر…كل الاحبة جوازات سفرهم بايديهم ويفترون بالمطارات ومحطات القطار تاركين الحبيب يولول ويتظلم مما سيلاقيه بعد ذهابهم من عذاب …..من الموسيقار العظيم عبدالوهاب الذي غنى يامسافر وحدك ….الى ياس خضر الذي مشى مع حبيبه للمكير كي يودعه….الى حبيب شادية الذي يصر على انه مسافر مسافر ………وحتى القيصر الذي يتساءل شلون يودع الحبيب بل ويحجز بايده بطاقات سفره ….ولا اعرف ان كان سبب زعله فعلا هو فراق الحبيب ام لانه اضطر الى دفع ثمن البطاقات من جيبه …
اما المفردة التي هي محور قضيتنا الاساسي فهي (البوس)…. والذي اخذ مطربونا باستخدامها مؤخرا بلا تحرج او وجع قلب….عمي شوية صيروا ثقال ترة الستر زين…..صحيح موسيقار الاجيال عبدالوهاب غنى (فحرقنا نفوسنا في جحيم من القبل) قبل 60 سنة لكن عندما تقال بالفصحى غير اللهجة العامية …اشو الاخوان هالوكت اخذوا راحتهم فد مرة….كاظم يقول (شوتعال وبوسني كم مرة ابوسك)…وفضل شاكر يغني (بوسني وصالحني) وحتى عبدالمجيد عبدلله لديه اغنية عنوانها (بوسني) ….شنو القضية يمعودين….نحن العرب لازلنا نتمنى ان يكون الحب في الاغاني عذريا وان يتوج بلمس الايادي والنظرات والهمسات….اما ذكر البوس وبهذه البساطة وعدم التكلف فقد حرمنا من الكثير من الخيالات الرومانسية التي كنا نعيش معها…. واصبح الحب فضيحة وعالمكشوف بعد ان دخلت الغلاسنوست (اي الشفافية) اغانينا
فالرجاء الرجاء العودة بنا الى ايام الهمس و اللمس باغانيكم العاطفية….واذا كان لابد من ترديد مفردة التبويس في الاغاني فاقترح ان تكون قاصرة على بوس الواوا الذي هو بوس بريء خالي من الاغراض الدنيئة خاصة بعد ان تزوجت هيفاء وهبي واصبحت في عصمة رجل ………….او استخدامها في الاغاني الوطنية او الاناشيد …..كتلك الاناشيد التي نهتف باننا نريد ان نبوس جبين قادتنا العظام الذين انعم الزمان بهم علينا….مثل القذافي وعمر البشير وصباح الاحمد…
او يمكن ان نستخدمها عند التوسل بهم بان نبوس اياديهم كي يخففوا من شرورهم وشرور ابنائهم علينا
والحالة الثالثة وهي التي افضلها …ان نستخدم البوس في اغاني المعارضة للحكام
كهذه الاغنية الموجهة الى نوري المالكي والتي يقول مطلعها


ما اريدك بعد…………صدك ياعزيزي
اكولها بالعربي ……….وهم بالانكليزي
فارقنا يللة ……………ولاتظن احنلك
مهما توسلت ، لو بست………..راسي


( وعذرا لاني لم اعثر على قافية مناسبة )