وصلتني هذه المقالة المعبرة عن حال العراق هذه الايام بقلم هدهد العراقي

ضحكت كثيرا عندما قراتها لكنه ضحك كالبكا 

فقد ذكرتني بمقالتي قصة حمودي اذ تتحدث ايضا عن رجالات (ونساءات) هذا الزمان الرديء ولماذا اصبحنا كما يقول اخي الكريم سرمد الجراح مكفخة

————————————————————————–

وحيدة الكرعة و مطشر الأعور

الهدهد العراقي

hudhudiraqi@maktoob.com

 

 

تزوجت خالتي وحيدة الكرعة و سميت كرعة لأن شعرها لم ينبت حتى أصبح عمرها 3 سنوات، من مطشر الأعور و كان زواجهما من النوع النادر حيث ان خالتي قد فاتها القطار ولم يتقدم لطلب يدها أي رجل وأصبحت أشبه بالعالة على العائلة وأصبحت كئيبة تندب حالها، و حسودة على كل امرأة تطلب يدها وعلى كل الرجال ، وأخيرا تقدم مطشر الأعور فتمت الموافقة عليه بأسرع من لمح البصر مع العلم بأنه كان لا شغلة و لا عملة حيث كان يخرج إلى مسطر العمال لكي يعمل بأجر يومي وكعدد طاسة في البناء . كان مطشر الأعور مؤيدا في حزب البعث و كان قوي جدا في كتابة التقارير على كلّ من هب و دب فتمّ ترفيعه إلى نصير ومن ثم إلى نصير متقدم و يقال بأن تقاريره كانت يومية وكانت أسرع من الضوء و من الايميلات التي كانت غير متوفرة آنذاك، وكانت عبارة عن شخابيط و خرابيط لأنه كان خريج الثالث الابتدائي ولم يفلح حتى في إنهاء دراسته الابتدائية لغبائه المزمن ، فكانت تقاريره غير مفهومة وغير واضحة ولكنها كانت تفي بالغرض لأن مستلمي هذه التقارير وهم الرفاق الأعلى منه درجة كانوا بالكاد يعرفوا القراءة و الكتابة .

كانت الحياة صعبة ولكن مطشر الأعور كان بالغ الدهاء والتلوّن فأستطاع إقناع خالتي وحيدة بالالتحاق بالاتحاد العام لنساء العراق وبعد ذلك أصبحت وكيلة أمن في المنطقة وكبر حبهما للقائد الضرورة وكان حبهما له حب عذري من القلب وكانت عروقهما تنبض إعجابا و تقديرا له.

وفي الحرب مع إيران تم استدعاء مطشر لكي يخدم في قاطع القعقاع للجيش الشعبي ، بعد أن ورطنا قائد المعجزات ووعدنا بنصر مبين على الفرس المجوس بأقل من سنتين ، وأصبح كل فرد عراقي جزء من الآلة العسكرية البغيضة لخدمة كرسي رئاسة هذا الإله الجديد ، تم إرسال قاطع القعقاع إلى الجبهة وبما أن مطشر جبان ورعديد فأنه اختار أن يكون مراسلا لآمر المعسكر ولكي يكون بالقرب من صنع القرار ولكي يشي بالشرفاء لآمر المعسكر لأن ملتحقي القاطع من نفس المنطقة ويعرف احدهم الآخر وكانوا يعرفوا من هو مطشر وما هو أصله و فصله وهذا ما كان يزعجه كثيرا وفي القاطع الأوسط أو ما يسمى زرباطية .. وقعت إحدى القنابل على بعد أكثر من مئة متر من الملجأ المحصّن لآمر المعسكر وكان مطشر حينها خارج الملجأ يغسل ملابس الآمر فركض بسرعة جنونية لجبنه فانزلقت رجله ووقع على ارض صلبة فانكسرت يده اليسرى وأصيب برضوض خفيفة وأخذ يصيح ( راح أموت وكعت عليّهه القنبلة ، وكعت فوك راسي ) فأخذوه للطبابة العسكرية لتجبير يده وتضميد بعض الخدوش ، و بما انه مقرّب من آمر القاطع فتّم إدراج اسمه مع الأسماء المستحقة لأنواط الشجاعة وحصل على نوط شجاعة وقطعة ارض 200 متر وسيارة برازيلي حمراء والتي كتب على الدعامية الخلفية مكرمة السيد الرئيس القائد ، إضافة إلى عبارة محروسة سبع الدجيل … كبر حب القائد داخل عائلة مطشر ووحيدة وأصبح بيتهما أشبه بمتحف للحزب لكثرة الصور المعلقّة على الحيطان للقائد الضرورة بأزيائه المتعددة والمتلونة قصّاب في واحدة و بنجرجي في أخرى بدوي في واحدة و عسكري في أخرى .. فلاّح في واحدة وعامل في أخرى وأصبح بيتهم ينبض وحدة و حرية و اشتراكية وامة رسالتها خالدة …رزقا ببنت اسماها دلّة , و أصبح الرفيق أبو دلّة من وجهاء القوم يريد مرضاه القاصي والداني بعد ان تم ترقيته إلى عضو فرقة ، أستريح أبو دلّة ، الله بالخير أبو دلّة و هكذا خلق الناس صدام صغير بين أضلعهم… بعد ان أصبح مطشر عضو فرقة في حزب البعث لمع و سطع اسمه وأصبح ماركة مسجلّة .. رزق بتوأمين اسماهما ستار وغفار وكبرت عائلة مطشر وكبر رأسه و طموحه وأصبح الزيتوني لا يفارقه فهو يلبسه حتى كبجامة أثناء النوم وهو لباس الرفاق المفضّل مع البوت الأحمر كثرت تقاريره حول أشراف الناس والذين لا قوة ولا حيلة بقت لديهم لتجنب شره وخبثه فبدءوا بتقديم الرشاوى والتملق له فبدء يمشي و كأنه طاووس وأصبحت وحيدة الكرعة سيدة نساء المنطقة ، قالت الرفيقة أم دلّة .. ورددت الرفيقة أم دلّة … وأصبح إفطار العائلة نقد و نقد ذاتي غدائهم وحدة و حرية ، وعشائهم صيرورة و ضرورة القائد و هكذا … في هذه الأثناء جاء رفيق آخر من منطقة أخرى وسكن منطقتنا وهو الرفيق أبو سيف وكان هذا الرفيق ألعن وأخبث من مطشر وبدء نجمه يصعد على حساب اسم ونجومية مطشر وأصبح التنافس بينهما شرسا جدا ، وبعد ان تمّ الاستفادة كليّا من مطشر تمّ زحلقته بقشر رقّي ، حيث اتهموه باللـ ….طة ( الله أعلم ) وصودرت أمواله المنقولة وغير المنقولة وسحب نوط الشجاعة والبيت والسيارة البرازيلي الحمراء وأودع سجن الحلة ، كل هذا حدث أثناء دخول العراق للكويت واسترجاع الفرع للأصل وكلاوات أبو عداي وتحشيشه علينا .. اخرج العراق من الكويت بصورة مخزية (لا ينبت عليها شارب)، وقامت الانتفاضة الشعبانية وتمّ كسر سجن الحلة فخرج مطشر مع الخارجين و أصبح منتفض مع المنتفضين و قام هو و خالتي وحيدة بسرقة سايلو حبوب العزة في الكوت ومصرف الرافدين قرب بيت أبو الهوى .. ولم تسلم حتى قيود الطلاب في مدرسة الشروق الابتدائية منهما.

أصبح مطشر قائد مفرزة سيطرت على فلكة سبع ابن خميس بين الحاوي والشرقية بدء توجها دينيا و رفع أعلام خضراء وسوداء على بيته ،
جاء الحرس الجمهوري واخمد الانتفاضة فاستشهد الكثير من الشرفاء و تغرب الجزء الأعظم وكان مطشر من الذين غادروا المنطقة باتجاه قوات التحالف في الكويت و السعودية وتمّ استقبال عائلة مطشر كعائلة مجاهدة شريفة لاجئة في مخيم رفحاء السعودي فتجاهله الناس الذين تعذبوا من قبل بسببه و بسبب تقاريره المخزية و قلبوا صفحة جديدة .

ومخيم رفحاء يقع بالقرب من الحدود العراقية السعودية وهو واحد من اثنين من المعسكرات لاحتواء المهاجرين العراقيين الذين هربوا من صدام و جلاوزته ، المعسكر الآخر كان في منطقة أخرى في وسط السعودية اسمه معسكر الارطاوية .. قسّم معسكر رفحاء إلى قواطع ، والقواطع قسّمت إلى مربعات والمربعات إلى خلايا وهي اصغر الوحدات الإدارية في المعسكر ، وكل خلية تضم حوالي عشرة خيم أو عشرة بيوت

نرجع إلى مطشر والذي أضاف لقب جديد إلى اسمه وأصبح يسمى مطشر الشمري أمام السعوديين (من عشيرة شمر الكبيرة في السعودية ذات الطابع العشائري ) وعندما يسمع باسم ( الشيخ أسامة ) ينهض من مكانه مطأطئا رأسه وواضعا يده فوقها ، وكذلك تبيّن بأنه سيد ومن أحفاد الإمام موسى الكاظم ( ع ) أمام اللاجئين العراقيين و أنه احد دارسي الحوزة العلمية في النجف ويفهم في الفقه والأصول والعقائد وبنى حسينية أطلق عليها حسينية السجاد ( ع ) وأحدث حرقا على جبهته من خلال تسخين كعب الإستكان على الصوبة ( للدلالة على أثر السجود) وحتى يصبح ممن سيماهم في وجوههم .
بدء الحصار على عائلتي وكل العراقيين المساكين وأخذنا نصرف يومنا كله بالتفكير المميت. فلا نعرف إذا حصل الغداء ماذا سيكون العشاء.. وتحت تلك الظروف لم نكن نفكر لا بخالتي ولا بزوجها الحنون لأن اللي فينا كافينا .

لن أطيل عليكم .. المهم… اجو الجماعة ( العلوج ) كما قال هدام ، الصليبيين كما يقول الملا عمر، قوات التحالف/ الجانب الصديق كما نقول.

وإذا بخالتي وحيدة عائدة ومعها دكتوراه بتقشير الطماطم والبصل كما أن مطشر يحمل دكتوراه في اللف والدوران واستخدام مصطلحات (الشفافية – الخط الأحمر- قطعا – جوازاً – وجوباً ) وقد نسي تماما كلمات ( ضرورة- مبادئ)

وعندما فُتِحَ الترشيح لعضوية مجلس النواب رشح مطشر وقادت خالتي وحيدة حملته الانتخابية وخرجت عشيرتنا من بيت سيد شاطي على طريق شيخ سعد حتى مركز المدينة (12 كم) سيرا على الأقدام والجميع يحملون لافتات التأييد ويهتفون (( أنت العز إلنا وجفك نسطر بيه ومن غيرك مانهوى العيشة و مطشر غيرك محد يحميها )) لأن مطشر سيعطي الأجر على قدر المشقة !!

ففاز مطشر وأصبح عضو برلمان والحمد لله.. وبعد شهر رحل من قرية بيت سيد شاطي وغير رقم هاتفه ولا يسمح لأي فرد من أفراد العشيرة (اللذين ساروا حفاة طيلة المسافة التي ذكرتها لكم ) أن يعرف أين داره ، إلا أن مصادرنا الإستخبارية التي يعتمد عليها أشارت انه يملك بيتا في حي السيد زينب في سوريا وشقة في لبنان وحسب ما أخبرتني ابنتي الطالبة في كلية الهندسة أن زميلة لها أخبرتها إنه يبني عمارة في بغداد الجديدة لم يكتمل بناؤها لحد الآن (رغم أن عقد تنفيذها مع شركة أجنبية قد أبرم مسبقا )

وقد أضافت ابنتي مستفسرة مني سبب عدم امتلاكي لبيت لحد الآن رغم أني وعمها نسكن سوية ولماذا نكتفي لحد الآن بكرفان ؟!!
عندها قلت لها : هل تعرفين مكان حقيبتي التي صنعتها لي أمك من الجنفاص وبمشورتك كمهندسة؟
قالت : نعم .. إنها تحت ( الجرباية ) مع أحذية أخوتي الصغار ..
قلت : طيب اجلبيها رجاءا !!
وعندما ذهبت وجلبتها .. قمت بفتح الحقيبة الجنفاصية وأخرجت منها بعض الأوراق المزينة بمختلف الأختام والتواقيع وطلبت من ابنتي إلقائها بالتنور الطيني الذي لا زلنا نستخدمه.. وأخبرتها إن هذه الشهادات هي التي منعتنا أن نكون مثل مطشر باشا ياعزيزتي