حمودي هذا واسمه الاصلي احمد وهو من سكنة مدينة الثورة….مدينة الزعيم عبدالكريم قاسم التي اسماها المنافقون فيما بعد مدينة صدام ثم اسماها المتخلفون مدينة الصدر في عهد حكومة العمائم الزاهر ….ثم اضافوا لها كلمة المنورة رغم انها لاتعرف الضياء الا ساعة او ساعتان في اليوم الواحد
حمودي هذا صار بعثيا عندما كان في الصف الرابع ثانوي وعمره 16 عاما
واعتبر نفسه ممثلا للحزب في الشارع الذي يقع فيه بيته
كان من عادة سكان المدينة والكثير من مناطق بغداد الشعبية عند حلول شهر محرم ان يستمعوا الى القراية…او المقتل…. وهو قصة استشهاد الامام الحسين بصوت رادود اسمه عبد الزهرة الكعبي …وكان من المعتاد ان يقوم البعض ممن يمتلك مسجلا ومضخم صوت (امبليفاير) بنصب مايكروفونات تبث المقتل لسكان المنطقة والمناطق القريبة
ولسبب غير معروف منع صدام حسين الاستماع الى المقتل وحرم بثه في تلك الفترة ….. وتم توجيه الحزبيين بترصد من يقوم بالاستماع اليه والتبليغ عنه لغرض “فرك اذانه”
وكان حمودي رغم صغر سنه متحمسا لطاعة وتنفيذ توجيهات الحزب كي ينال الثناء من الرفاق
والد حمودي كان يمتلك دكان عطارة صغير ملحق بمنزلهم
ومن سوء حظ حمودي ان والده الحاج كان من عشاق الاستماع الى القراية بل ياخذ على عاتقه اسماع كل اهل المحلة …فيفتح المسجل ويربطه بالاسلاك الى الامبليفايروالسماعات التي نصبها على سطح المنزل لتصدح بالمقتل باعلى صوت….
احتار حمودي كيف يقنع والده العنيد بعدم بث الشريط…..اذ كلما قال له ان الحكومة قد منعت ذلك يجيبه الوالد بغضب (بعد التاكد من عدم وجود من ينصت اليهم ) : انعل ابوك لابو الحكومة وياك
وفي احد ايام شهر محرم كان حمودي مع والده في الدكان وشريط المقتل يصدح باعلى صوت من سطح منزلهم ….وحمودي يتوسل بوالده كي يخفض صوت التسجيل على الاقل تجنبا” للمشاكل مع الحزبيين.. ووالده يعنفه لجبنه ويقول له :لك صير رجال! شنو خايف من هذولة الزعاطيط؟
وحتى تلك اللحظة كان حمودي في قرارة نفسه معجبا بشجاعة والده الذي يتحدى اوامر البعثية بكل صلافة وبشكل علني
….لكنه مع ذلك لم يكن يريد ان يتلقى التأنيب منهم بسبب سلوكيات والده التمردية لكن ما العمل ووالده أعند من الصخر…وفجاة وقف ببابهم الرفيق جبار…وهو احد مسؤولي الحزب في المنطقة والمعروف للجميع بخبثه وحبه لفعل الشر….وفوجيء حمودي ووالده بهذا الزائر غير المرغوب
سأل الرفيق جبار الحاج ابا حمودي بصوت تنضح منه نبرات الوعيد : حجي ….الا تعلم ان بث المقتل ممنوع؟ وفوكاها ناصب سماعات موجهة لكل المنطقة؟ ..فهل انت تتحدى تعليمات الحزب والثورة؟
وكان في السؤال الاخير من نذر السوء ماجعل حمودي يرتعب من المواجهة المحتومة بين ابيه والرفيق جبار …وتوقع ان يصرخ ابوه شاتما الحكومة التي تتدخل في ابسط الخصوصيات ثم تقع بعدها المواجهة…واخذ يحسب بعقله مع اي من الطرفين يجب ان يقف…
لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل
اذ تحول الحاج الذي كان يوصي ابنه ان (يصير رجال) الى قطة اليفة امام الرفيق جبار..فاجاب بنبرة توسل: والله والله والله يا ابني….دائما” اكول لهل كلب حمودي لايجوز ان تخالف اوامر الحزب التي هي على راسنا …لكنه لا يسمع كلامي ويشغل التسجيل !!!!….والله لو تاخذوا للامن و تأدبوه بكم جلدة بلكت يصير آدمي
صعق حمودي من التحويلة المتقنة التي جائته من الحجي البطل ….وما ان حاول ان يفتح فمه مستنكرا كذب والده حتى عاجله الوالد بصفعة رن صداها في المحلة صائحا به : شلون تخالف امر الحكومة ياكلب؟ تريد تزعل الحزب علينا؟
وقبل ان يفيق حمودي المسكين من هول الصفعة ، حتى الحقها الوالد ببصقة محترمة زيادة في تاكيد براءته من الفعل الشنيع الذي الصقه بابنه وقال له بخشونة: يللة اصعد للسطح اطفي المسجل
وهنا اراد الرفيق جبار اثبات حضوره خاصة مع خروج عدد من نساء البيوت المجاورة للفرجة على مايحدث ..فقال :لا حجي ….انا سافعل ذلك….هيا خذني الى السطح
وهنا اسقط بيد الحجي، لكن شجاعته المزعومة كانت قد تلاشت تماما” …فلم يجد غير ان يقول : تفضل ابني
وصعد الجميع الى السطح….وبدأ الرفيق جبار يقطع الاسلاك بطريقة قاسية للتاكد من عدم امكانية اصلاحها فيما بعد
والحاج ينظر بهلع ويتمتم بصوت خافت لحمودي كيف ان الامام في اية لحظة سوف يصعق هذا الكافر بالكهرباء ويميته في الحال لوقاحته وعدم احترامه للامام الشهيد….لكن الرفيق جبار اكمل مهمته دون اية نتلات…. بل وانتزع شريط الكاسيت وداسه بقدمه …مما دفع حمودي ان يهمس باذن والده متشفيا” : لعد مو تكول الامام راح يشور بيه ويكهربه ؟اشو كلشي مابيه ؟
فلم يجد الوالد من حجة غير ان يقول : لانه نجس…هل تريد من الامام ان يوسخ يديه بهذا النجس؟
لكنه اردف كلامه بنبوءة عظيمة اذ همس في اذن حمودي
حمودي اخذ الحجاية من عندي…..هذولة البعثية الكفارماراح يبقون بالحكم اكثر من شهرين ….شوف ربعنا اتباع آل البيت شلون راح يثورون ويطيروهم
كان هذا الكلام عام 1971 …وبقي البعثيون بعدها في الحكم 32 عاما….. كان معظم اتباع آل البيت خلال تلك الفترة يهتفون بالروح بالدم نفديك ياصدام….ولم يسقط النظام الا على يد الامريكان….ولو كان الحاج ابو حمودي مازال حيا لادعى بالتاكيد ان هذه هي (حوبة) الامام الذي ارسل المارينز كي ينتقم من البعثية
تلك الحادثة خاصة الصفعة والتفلة التي تلتها تعلم منها حمودي دروسا بليغة
تعلم ان التلون كالحرباء ثلثا المراجل
وان اليد التي لاتستطيع ان تعضها …قبلها
هذه المباديء جعلته يمشي حاله كرفيق لمدة 20 عاما حتى دخوله السجن بتهمة الابتزاز
ونفس الدروس جعلته يتحول وبقدرة قادر بعد سقوط صدام من رفيق حزبي صاحب سوابق ومفصول من الحزب بسبب استغلاله لصفته الحزبية الى مناضل دخل السجن لانه كان معارضا للنظام…بل قاده نفاقه وتلونه الى ان يصبح متنفذا في احد مكاتب جيش المهدي، مما اتاح له العودة لممارسة هوايته المفضلة في الايذاء بمختلف الاشكال خاصة مطاردة النساء والتحرش بهم تحت ذريعة حثهم على التحجب…ومصادرة كل موبايل لا تكون نغمة رنينه مقطعا من المقتل….
ثم جاءت عملية صولة الفرسان التي جعلت افراد جيش المهدي ومنهم حمودي يختبأون في الجحور او يهربون الى ايران …وما ان بردت الامور حتى عاد حمودي للظهور داعية ومؤيدا” لدولة القانون ورئيس الوزراء نوري المالكي الذي انقذ الشعب من المليشيات التي عاثت فسادا في الارض….
كم لدينا من امثال هذا الحمودي
وهل ستقوم للعراق قائمة وحمودي ومن على شاكلته توضع اسماؤهم على راس القوائم الانتخابية ؟
هل سنحضى يوما ببرلمان تكون فيه نسبة المخلصين والنزهاء اكثر من المنافقين والضباع واكلي الجيف؟
اتمنى ذلك …..لكني لست متفائلا” على الاطلاق